فرضت الدولة السودانية رسوماً على استعمال  طرق المرور السريع منذ ثمانينات القرن الماضي بهدف الحصول على موارد مالية إضافية تخصص لصيانة وتطوير الطرق القائمة وإنشاء طرق جديدة . وفي هذا الصدد صدر قانون تحصيل رسوم عبور طرق المرور السريع في السودان عام 1980م ، وظل هذا القانون ساريا حتى تم إقرار قانون استعمال طرق المرور السريع عام 2011م ، والذي تم تعديله في العام 2014م ، وتعطي هذه القوانين الوزير المختص بالطرق القومية سلطة فرض رسوم مالية على استخدام هذه الطرق بعد التشاور مع وزير المالية.

 ووفقاً لهذه القوانين واللوائح الصادرة بموجبها ظلت الوزارات الاتحادية المختصة بالطرق القومية بمختلف تسمياتها وفقا لكل تشكيل وزاري ، تصدر الأوامر الخاصة بفرض هذه الرسوم وتعديلاتها وتحديد كيفية تحصيلها .

 و لعل ابرز تعديل طرأ على هذه الرسوم هو الزيادة التي فرضت بموجب المرسوم الجمهوري الخاص بقانون استعمال طرق المرور السريع والجسور القومية لسنة 2011 ، تعديل 2014م ، الصادر في نوفمبر من العام 2014 ، والذي نص على زيادة رسوم استعمال طرق المرور السريع على النحو الآتي : المركبات التي تقل حمولتها عن (5) طن وتشمل المركبات الخاصة وسيارات الأجرة التاكسي والحافلات وغيرها من المركبات المطابقة لهذا المعيار ، تمت زيادة الرسوم المفروضة عليها بنسبة (200)% حيث أصبحت (13) جنيها بدلا عن (4) جنيهات . والمركبات التي تزيد حمولتها عن (5) طن وتشمل الشاحنات والبصات السفرية تمت زيادة رسوم عبورها بنسبة (75)% ، فعلى سبيل المثال فان قيمة رسوم عبور البص السفري الذي يتحرك من الخرطوم إلى بورتسودان أصبحت مبلغ (113) جنيهاً بدلاً عن (69) جنيهاً ، والشاحنة التي تتحرك من ميناء بورتسودان إلى مدينة الأبيض أصبحت تسدد مبلغ (2000) جنيهاً بدلاُ عن مبلغ (1200) جنيه كما كان في السابق .

هذه الزيادة العالية في رسوم استخدام طرق المرور السريع  قادت إلي إفساد التدابير الخاصة بتحصيلها في بعض محطات التحصيل بولاية الجزيرة ، وتتلخص هذه الوضعية الافسادية في الاتفاق بين أفراد فريق شركة (الهدف) للخدمات ، المناط بهم تحصيل هذه الرسوم في محطتي تحصيل مدني غرب ومدني جنوب ، على السماح لبعض السيارات بالعبور دون تسديد الرسوم المقررة نظير حصولهم على مبالغ مالية لمصلحتهم الشخصية تتراوح ما بين (3 – 5) جنيهات عن كل مركبة ، ويتم التركيز فى هذه الوضعية الافسادية على المركبات المحلية التي لا تتجاوز محطات تحصيل أخرى . الجدير بالذكر أن وزارة الطرق والجسور كانت قد استعاضت عن موظفي التحصيل التابعين للوزارة بالتعاقد مع شركة الهدف للخدمات لتقوم بعمليات التحصيل في كل الطرق القومية بالبلاد وذلك بهدف زبادة الإيرادات من المستوى المتدني الذي ظل يلازمها بالأضافة لشبهات الفساد التي ظلت تحوم حول محصليها . ففي ولاية الجزيرة مثلآ تقوم هذه الشركة بتحصيل تلك الإيرادات بمحطات التحصيل التسعة الموزعة على الطرق القومية التي تمر عبر الولاية .

وفي سبيل التقصي والتدقيق والبحث حول هذه الوضعية الافسادية استطلعنا عدد ثلاثة سائقين يقودون أنواع مختلفة من السيارات ، ويستخدمون طرق المرور السريع دون تسديد الرسوم المقررة بمحطات التحصيل وذلك من خلال دفع رشاوى لأفراد شركة التحصيل . و للتحقق من هذه الوضعية الإفسادية فلقد إستغلينا إحدى هذه المركبات وتيقنا على صحتها ميدانيآ .

سائق سيارة الأجرة التاكسي (م. خ) أفاد بان التنقل داخل مدينة ودمدني تسيطر عليه مركبات (الركشة) رخيصة الأجرة ، التي يمكن أن تبلغ قيمة أجرتها مبلغ (5) جنيهات في مقابل (20) جنيها قيمة أجرة التاكسي لذات المسافة داخل المدينة ، لذا أصبح الركاب يفضلونها على التاكسي ، وبناء على ذلك صار عمل سيارات التاكسي يعتمد اعتمادا كبيرا على الرحلات إلى ضواحي المدينة والى عواصم المحليات ، الأمر الذي يحتم عليهم المرور عبر محطات تحصيل رسوم استخدام طرق المرور السريع . وذكر بان الزيادة التي طرأت على تلك الرسوم عالية جدآ ، فالسائق لا يستطيع دفع مبلغ (13) جنيها كرسم عبور للرحلات إلى ضواحي المدينة و التي لا تزيد قيمة أجرتها في المتوسط عن مبلغ (50) جنيها . فبعد خصم مصروفات  الوقود واستهلاك للمركبة يكون العائد المالي ضعيفآ للغاية ، لذلك نجد أن معظم سائقى التاكسى يقومون بدفع مبلغ (5) خمسة جنيهات لموظفى شركة الهدف لدى وصولهم لمحطة التحصيل في مقابل السماح لهم بالعبور دون تسديد الرسوم المقررة رسميآ . وأضاف نفس سائق التاكسى بان هذا الأمر ينحصر في محطتي تحصيل مدني غرب ومدني جنوب ، ولا يشمل محطة تحصيل مدني شمال التي لا تمر سياراتهم عبرها ، لأنها تقع عند بداية طريق مدني الخرطوم و الذي تحظر شرطة المرور السريع  عبور سيارات الأجرة التاكسي من خلاله ، أما محطة تحصيل شرق النيل فهم لا يحتاجون لدفع مبالغ عندها لأن أفراد الشركة في هذه المحطة متفهمين حسب قوله ، ويسمحون بمرور سيارات الأجرة دون التشدد في المطالبة بتسديد تلك الرسوم . 

ولمزيد من تأكيد وجود هذه الوضعية الافسادية طلبنا من السائق (م . خ) أن يأخذنا معه في رحلة تمر عبر محطة تحصيل مدني غرب ، حتى نقف ميدانياً على هذه الوضعية الافسادية ، فوافق على الفور وتحمس جداً للفكرة . وعند وصولنا للمحطة المذكورة وجدناها تتكون من مظلة كبيرة بها مكاتب صغيرة ذات نوافذ تفتح على ممر عبور السيارات ، وبداخل هذه المكاتب يجلس موظفي التحصيل خلف أجهزة كمبيوتر مخصصة للتحصيل الالكتروني ، وفى نهاية هذه المظلة و المكاتب تتواجد حواجز بلاستيكية تغلق الطريق في الاتجاهين ، يقف عندها موظفي شركة التحصيل المسئولين عن المراجعةالإيصال بعد تسديد الرسوم . عند مرورنا أمام المكاتب ، قام السائق بإلقاء التحية على موظف التحصيل المتواجد داخل المكتب وواصل سيره دون أن يتوقف لتوريد الرسوم حتى وصل الحاجز البلاستيكي ، فأخرج يده من نافذة السيارة مصافحاً بها موظف الشركة المتواجد عند الحاجز وإثناء ذلك قام بدس ورقة من فئة ال (5) جنيهات في يده ، فقام ذلك الموظف بوضعها سريعاً في جيبه ، ومن ثم أزاح الحاجز البلاستيكي وسمح لنا بالعبور . ثم واصلنا الرحلة حتى وصلنا إلى منطقة (بيكة) التي لا تبعد كثيراً عن تلك المحطة ، وبعد استراحة قصيرة قام السائق بتحميل ثلاثة ركاب علي سبيل الأجرة المنفردة والتي تعرف ب(الطرحة)  واستأنف رحلة العودة إلى المدينة ، وعند وصولنا لنفس محطة التحصيل ولكن بالاتجاه المعاكس قام السائق بالتلويح بيده  بالسلام إلى الموظف الذي استلم المبلغ وسمح لنا بالمرور سابقآ ، والذي بدوره أشار إلى زميله الذي يعمل بالحاجز الآخر بيده بما يفيد بالسماح لنا بالعبور فأزاح الحاجز البلاستيكي وسمح لنا بالمرور .

أما سائق حافلة الركاب (ج . ح) الذي يعمل بين وسط مدينة ودمدني واحدي ضواحيها ، ذكر بأن الزيادة التي فرضت على رسوم العبور عالية ، وبرغم أنهم يسددونها لمرة واحدة في اليوم إلاّ أن ذلك يؤثر سلباً على العائد المالي الذي يحصلون عليه ، فالزيادة تمثل عبء جديد يضاف إلى ارتفاع قيمة الوقود وقطع الغيار والصيانة ، لا سيما وان معظم السائقين لا يملكون السيارات التى يعملون عليها ، وإنما يعملون لدى مالكيها بما يسمى  بالنسبة ، أي أنهم يحصولون على ثلث المتحصل المالى بعد خصم المنصرفات ، أو بنظام (التوريدة) التي تعني أن يسدد السائق لصاحب السيارة مبلغ معين نظير العمل بها بغض النظر عن حجم العمل . لذلك فهم يقومون بدفع مبلغ (5) جنيهات لأفراد الشركة المتواجدين بالمحطات بدلا عن القيمة الرسمية العالية لتلك الرسوم ، وأضاف بأنهم فى بعض الأحيان تواجههم بعض المشاكل عند تغيير الورديات حيث يجدون أنفسهم مضطرين للدفع لأفراد الشركة مرتين في اليوم ، ولكن رغم ذلك فان هذا الوضع أفضل لهم لأن قيمة الدفع ولمرتين لأفراد الشركة أقل من قيمة الرسم الرسمي العالية .

صاحب السيارة الخاصة ( أ . م ) أفاد بأنه يسكن في قرية تقع على طريق المرور السريع وتبعد عن المدينة مسافة (15) كيلو متراً ، ويمتلك متجرا بسوق المدينة ، ويمر بسيارته عبر محطة التحصيل مرتين في اليوم عند حضوره صباحاً لمباشرة أعماله ، وعند عودته إلى قريته مساءآ . لذلك يرى صاحب السارة الخاصة أنه من غير المنطقى أن يقوم بدفع مبلغ (13) جنيها يوميا ، و لذلك فهو يقوم بدفع مبلغ يتراوح ما بين (3 – 5) جنيهات لأفراد شركة التحصيل عند حاجز محطة التحصيل ، وذكر أن أحيانا كثيرة يسمحون له بالعبور دون رسوم ،  فأفراد الشركة يتشددون في تحصيل الرسوم عندما يكون مستوي التحصيل متدني ، وتساءل لماذا لا تكون محطات التحصيل في الحدود بين الولايات ؟ حتى لا يعاني سكان القرى المجاورة للمدينة .

هذه الوضعية الافسادية تهدم الهدف الرئيسي من فرض رسوم استعمال طرق المرور السريع ، وهو استحداث موارد إضافية لوزارة الطرق والجسور لاستخدامها في صيانة الطرق القائمة وتطويرها ، وتشييد طرق جديدة . لذلك فبرغم من زيادة هذه الرسوم فحالة الطرق عمومآ بائسة  لعجز الوزارة المختصة عن صيانتها وتطويرها بسبب ضعف وتسرب إيراداتها . وفي هذا الصدد كشف وزير الطرق والجسور السابق عبد الواحد يوسف عن وجود (3292) كيلو متر من طرق المرور السريع تحتاج إلى صيانة عاجلة ، وأضاف بان موارد وزارته المتاحة تكفي إلى صيانة (3.6)% منها ، وأكد الوزير بان الرسوم المحصلة من استعمال طرق المرور السريع تكفي فقط لصيانة (4)% من هذه الطرق ، وأضاف بأن الكثير من طرق المرور السريع انتهى عمرها الافتراضي فعلى سبيل المثال طريق مدني الخرطوم انتهى عمره الافتراضي منذ (40) عام ، وطريق كوستي تندلتي الأبيض لم تتم صيانته منذ (24) عام . (صحيفة الطريق الالكترونية بتاريخ 23/11/2014)

 هذا التردي في حالة الطرق وعدم تطويرها يؤدي بلا شك إلى زيادة حوادث المرور التي تعود أسبابها إلى سؤ حالة الطرق ، وعلى سبيل المثال ففي ذات العام 2014م الذي أقرت فيه هذه الزيادات على رسوم استخدام طرق المرور السريع أودت حوادث المرور بحياة (1711) شخص بينما اصيب من جرائها (4374) شخص ، وذلك بحسب تصريحات وزير الداخلية الفريق أول عصمت عبد الرحمن ، وطالب الوزير من خلال ترأسه لاجتماعات المجلس الأعلى للسلامة المرورية الذي يضم عدداً من الوزارات ذات الصلة ، طالب الجهات المسئولة بمعالجة أسباب ازدياد الحوادث المرورية و ذلك من خلال ضبط جودة الإطارات وصيانة وتطوير الطرق . (صحيفة سودان تريبيون نوفمبر 2014م)(صحيفة التيار نوفمبر 2014م) .

للوقوف في وجه هذه الوضعية الافسادية يجب أولاً معالجة السبب الرئيسي في تواجدها المتمثل في ارتفاع قيمة رسوم استخدام طرق المرور السريع ، بمراجعة قيمة هذه الرسوم ، فالوزارة المركزية المختصة بالطرق كان عليها قبل الدفع بمقترح زيادة هذه الرسوم أن تدرس الأمر من كافة جوانبه ، وان تنظر إلي الآثار المترتبة على هذه الزيادات ، والى مدى ملائمتها مع الأوضاع الاقتصادية في البلاد ، فمن الواضح أن الوزارة نظرت إلى الموضوع فقط من حيث المردود المالي الذي يحققه ، كما صرح بذلك وزير الطرق والجسور السابق عبد الواحد يوسف في منبر وكالة السودان للأنباء(سونا) عند إقرار هذه الزيادات في نوفمبر من العام 2014م ، حين ذكر بأن الزيادة في الرسوم تودى الى إرتفاع إيرادات الوزارة بنسبة (200)% عن المتوسط الذي تحصله هيئة الطرق والجسور البالغ قدره (111) مليون جنيه في العام ، وتوقع أن يرتفع المبلغ بعد الزيادة إلى (333) مليون جنيه في العام . وبرر الوزير فرض هذه الزيادات ، عند اجتماعه بلجنة الطرق والنقل بالمجلس الوطني ، إلى الزيادة العالية في مدخلات الطرق التي بلغت (360)% منذ عام 2008م .

و لمقاومة حالات الفساد الناتجة عن هذه الوضعية يجب مراجعة بعض نصوص قانون رسوم استعمال طرق المرور السريع للعام 2011م لمراعاة الاستخدام المحلي لهذه الطرق . فالقانون والتعديلات التي طرأت عليه في العام 2014م لا يستثني أحدا من دفع هذه الرسوم ، فحتى القوات النظامية والهيئات الدبلوماسية تقوم بتسديد هذه الرسوم مقدماً ، كما أفاد بذلك المهندس حامد محمود وزبر الدولة بوزارة الطرق والجسور في منبر وكالة السودان للأنباء (سونا) في نوفمبر من العام 2014م . فمن المعلوم بان طرق المرور السريع بالسودان لا تنطبق عليها المواصفات العالمية ، فهي غير مسورة أو ذات مسارين متعاكسين ، كما أنها تمر عبر المناطق السكنية والقرى مما يحتم على من يرغب في التنقل داخل حدود محليته أن يستعمل طرق المرور السريع و بالتالى يجب أن يخدع لهذا القانون . فيجب أن تتضمن اللوائح المنظمة لهذا القانون على معالجات تراعي الاستخدام المحلي لهذه الطرق ، وتحصر هذه الرسوم في المركبات التي تستخدمها بشكل سفري وتجاري.

كذلك يجب على وزارة النقل والطرق والجسور مراجعة الأسلوب الذي تتبعه حاليآ في تحصيل هذه الرسوم و ذلك بالاعتماد على شركة الهدف للخدمات في التحصيل في ظل ضعف وتسرب هذه الإيرادات ، واضعة في الاعتبار المرتبات الضعيفة التي تمنحها هذه الشركة لمنسوبيها ، وعليها أن تضع الضوابط التي تضمن عدم تسرب هذه الإيرادات ، عبر فصل جهة التحصيل عن جهة المراقبة ، وبنصب كاميرات مراقبة في كل محطات التحصيل حتى يتثنى لها مراقبة ما يحدث في هذه المحطات مما يكبح جماح المفسدين . برغم أن شركة الهدف أشارت في موقعها الالكتروني بأنها شيدت بوابات الكترونية للتحصيل في محطة سوبا وهي بصدد تشييد ثلاثة محطات الكترونية أخرى في كل من الجيلي وجبل أولياء وسنكات ، وتهدف إلى نصب كاميرات مراقبة في كل المحطات .