فكرة التأمين بمختلف أنواعه تقوم على اساس التكافل والتعاون بين الأفراد المعرضين لنفس إحتمالات الخطر لتعويض الخسارة المالية التي قد تلحق بأحدهم . وفي السودان هناك (1500) نوع من أنواع التأمين حسب إفادات الأمين العام لاتحاد شركات التامين ، واهم هذه الأنواع هو التأمين على السيارات .

وتأتي أهمية هذا النوع من أنواع التامين بسبب تزايد أعداد السيارات في السودان فى إعقاب التمدن ، وانتشار الطرق المسفلتة والدائرية والسريعة ، بالإضافة لسهولة امتلاك السيارات عن طريق (الأقساط الشهرية) . هذه الطرفة قد أدت بدورها  إلى زيادة كبيرة في الحوادث المرورية ، مما جعل هذا النوع من التأمين يحظى باهتمام العاملين بقطاع التأمين والمواطنين والدولة .

أنواع التأمين على السيارات عديدة ، إلا أن أكثر أنواعها انتشارا هى :

  1. التامين ضد الخسائر التي تلحق بالطرف الثالث ، وهو ما يعرف في السودان ب (التأمين الإجباري) وهو يغطي الخسائر الناتجة عن الحوادث المرورية التي تحدثها المركبة للآخرين فقط ، ولا يغطي الخسائر التي تحدث للمركبة المؤمن عليها مهما بلغ حجمها . وسمي بالإجباري لإلزامية الحصول عليه بموجب القانون ، كما نصت على ذلك المادة (58) من قانون المرور لسنة 1983 الملغي ، والمادة (69) من قانون المرور لسنة 2010 المعمول به حاليآ.
  2. التأمين الشامل ، فهو بالإضافة  لتغطية الخسائر التي تحدث للآخرين (الطرف الثالث) يغطي أيضا الخسائر التي تحدث للمركبة المؤمن عليها ذات نفسها ، سوى كانت هذه الخسائر ناتجة عن حادث مروري ، أو لأي سبب آخر كتهشم الزجاج نتيجة لسقوط جسم على السيارة على سبيل المثال .

النوع الأول من التأمين (الإجباري) له قيمة محددة عند كل شركة تأمين ، وعادة ما يتم الاتفاق عليها بواسطة اتحاد شركات التامين وتتراوح قيمته حاليآ ما بين 115 إلى 130 جنيها .

أما التامين الشامل فيتم تحديد قيمته وفقا لعدد من المعايير أهمها قيمة السيارة المؤمن عليها ، فكلما كانت قيمة السيارة عالية، ترتفع قيمة التامين الشامل تبعا لذلك .

يتم  تحديد و الحصول على التعويضات التأمينية في  حالة تأمين الطرف الثالث (الإجباري) وفقا للأحكام القضائية الذي تصدرها محاكم المرور في البلاغات المرورية المعروضة أمامها ، لصالح الطرف المتضرر من الحادث  وتلزم هذه الأحكام شركات التامين بسداد هذه التعويضات للمتضررين.

أما التعويضات المالية عن خسائر المركبات المؤمنة تأمينآ شاملآ ذات ، فهناك إجراءات متعارف عليها و متبعة لدى كل شركة  تأمين للحصول على هذه التعويضات وذلك وفقا للأطر العامة التى وضعها اتحاد شركات التأمين و تتلخص في الآتي :

  1. إبلاغ شركة التأمين بالحادث المروري بواسطة المؤمن له من خلال  تقديم المستندات المتعلقة بالحادث وتشمل  تقرير الشرطة عن الحادث وشهادة التامين الأصلية سارية المفعول وقت وقوع الحادث المروري .
  2. أن يقوم المؤمن له بتعبئة استمارة المطالبة بالتعويض وتصريح بوقوع الحادثة و التوقيع عليهما ، حسب النموذج الذي تعده  كل شركة تأمين.
  3. إبراز رخصة قيادة السائق المصرح له بقيادة المركبة التي ارتكبت الحادث على أن تكون سارية المفعول.
  4. يتم الكشف على السيارة بواسطة مندوب شركة التامين أو المهندس التابع لها ، والذي يقوم بإعداد كشف يحتوي على الأضرار الناتجة عن الحادث المروري التي يجب على شركة التأمين القيام  بإصلاحها ، والقطع التي يجب استبدالها ، أو التقرير بالتلف الكامل للمركبة  (Total lost ) . فى حالة التلف الكامل يتم تعويض صاحب المركبة بكامل قيمتها المحددة حسب وثيقة التأمين  وذلك بعد خصم نسبة الاستهلاك من تلك القيمة والتي تتراوح عادة ما بين (20% - 30% ) حسب درجة استهلاك السيارة ومدة التامين.
  5. يتم إصلاح المركبة بالتنسيق مع شركة التأمين وبمعرفتها .
  6. يجوز لشركة التامين أن تقرر بأن المركبة قد تعرضت لتلف كامل إذا ما بلغت تقديرات قيمة إصلاح السيارة  المتضرره 50% او أكثر من قيمتها التأمينية .

التدابير المشار إليها أعلاه من وثائق و معاملات ، قد تكون تدابير نزيهة أو فسيدة ، وذلك وفقآ لتعامل الموظفين المسئولين معها ، وهذا ما نحن بصدد مناقشته .

 اكتشفت شركة شيكان للتامين بفرعها بمدينة ود مدني عن وجود حالات إفساد كبيرة لهذه التدابير المتعلقة بالتعويض عن الخسائر الناتجة جراء حوادث المرور للسيارات المؤمنة تامينآ شاملآ بطرف الشركة . تعاملات الموظفين المسئولين حولت هذه التدابير النزيه الى فسيدة  مما أوجد العديد من الوضعيات الافسادية .

ويتزعم الموظف المسئول عن قسم التعويضات في فرع تأمين السيارات مجموعة المنفذين لهذه الوضيعات الإفسادية و تضم المجموعة مهندس الشركة المسئول عن فحص السيارات وحصر الأضرار ، بالإضافة لصاحب ورشة الصيانة التي تتعامل معها الشركة في صيانة السيارات المتضررة المؤمنة طرفها.

وتتلخص وقائع أولى هذه الوضعيات في قيام الموظف المسئول عن قسم التعويضات بفرع تامين السيارات بالشركة ، بتعبئة المستند الخاص بحصر الأضرار والتلف الناتج عن الحوادث المرورية التي تتعرض لها المركبات المؤمنة طرف الشركة ، بصورة مخالفة للمعلومات التى حواها تقرير الشرطة الذي تسلمه من صاحب السيارة المتضررة ، المتضمن  للأضرار الحقيقية التي حدثت للمركبة جراء ذلك الحادث ، حيث يقوم بإضافة أضرار غير موجودة ، ويوصي باستبدال بعض قطع الغيار دون أن يكون هناك حاجة لذلك ، ثم يقدم هذا المستند إلى شريكة في الإفساد مهندس الشركة المسئول عن مراجعة واعتماد هذا المستند بعد فحص السيارة ، ليقوم باعتماده بالرغم مما يحتويه من أضرار غير موجودة بالسيارة وقطع غيار غير مطلوبة . وبعد التصديق على مبلغ التعويض المالي وتسليمه إلى ورشة الصيانة التي تتعامل معها الشركة ، يأتي دور صاحب ورشة الصيانة الشريك الثالث في هذه الوضعية الافسادية ، الذي يقوم بحصر المبالغ المرصودة لقطع الغيار الوهمية وقيمة صيانة الأضرار الغير موجودة ليتم اقتسامها فيما بينهم .

الوضعية الافسادية الثانية التي اكتشفتها الشركة هي وجود تلاعب كبير في إجراءات التعويض عن التلف الكامل للسيارات (Total lost) ، حيث اتضح بان ذات المجموعة الماشار اليها أعلاه ،  تقوم عند حصر الخسائر والأضرار في الحوادث المرورية الكبيرة التي ينتج عنها أضرار كبيرة  قد لا تصل إلى درجة التلف الكامل للسيارة ، ولكن تؤدي إلي انخفاض في قيمتها ، بكتابة تقرير فني غير حقيقي بواسطة مهندس الشركة يفيد بان السيارة تالفة بشكل كامل ، ليتم سحبها بعد اعتماد التقرير من قبل شركة التأمين إلى ورشة الصيانة التي تتعامل معها الشركة ، وذلك دون اعتراض من صاحبها ، لأنه في العادة عند الحوادث الكبيرة يجتهد أصحاب المركبات في الحصول على تقرير يفيد بهذا التلف الكامل ، ليحصلوا على تعويض بالقيمة التأمينية للسيارة ، بدلا عن صيانة سيارة ستنخفض قيمتها نتيجة لتعرضها لحادث مروري كبير .

وبعد اكتمال إجراءات التعويض عن التلف الكامل واستلام المؤمن له لقيمة التأمين بعد خصم نسبة الاستهلاك ، تعرض السيارة التالفة للبيع كسيارة (خردة) حسب ما هو متبع في هذه الحالة ، وذلك لاعتبارها سيارة تالفة بالكامل ، ويقوم بشرائها صاحب الورشة أو أي شخص آخر بمعرفة المجموعة الفاسدة ، ومن ثم تتم صيانتها وبيعها ، لتستفيد هذه الشبكة من فرق السعر الكبير من بيع سيارة (خردة) وسيارة منخفضة القيمة جراء تعرضها لحادث مروري .

هذه الوضعيات الافسادية يترتب عليها الكثير من الآثار المادية وغير المادية ، فاستمرار هذه الوضعيات قد يدفع شركات التأمين إلى الإحجام عن تامين السيارات ، أو إلي زيادة قيمة الأقساط التأمينية ، وقد يصل الأمر أذا تفاقمت هذه الوضعيات إلي انهيار شركة التأمين وإفلاسها ، لا سيما وان شركات التأمين تعتمد بشكل كبير على تامين السيارات والذي يشكل 25% من سوق التامين في السودان ، كما أفاد بذلك الأمين العام لاتحاد شركات التامين والذي أضاف بان قيمة الأقساط التأمينية في السودان تتراوح مابين (400 – 500) مليون دولار سنويا يمثل التامين على السيارات حوالي (20% - 25%) من هذا المبلغ .

كذلك أن أستمرار هذه الممارسات  قد يؤدي إلى إفراغ الغرض من تامين السيارات من محتواه الحقيقي كإجراء تكافلي لتغطية الخسائر التي تقع على المركبات جراء تعرضها للحوادث المرورية ، ويحول تأمين السيارات إلى إجراء لتبرير وقوع  الحوادث بدلا عن تقليل حجم المخاطر الناتجة عنها ، وبالتالي يقود هذا الأمر إلى استهتار السائقين بحياة المواطنين وممتلكاتهم ، إذ يدفعهم سهولة الالتفاف على الشروط التأمينية إلى عدم المبالاة بما يقترفونه من أخطار تجاه مستخدمي الطريق الآخرين .

و للحد من هذه الممارسات الفاسدة فعلى شركات التامين القيام بالعديد من الإجراءات مثل:

 أولآ، البحث عن وسائل جديدة لضمان صحة التقارير الخاصة بحصر التلف الناتج عن الحوادث المرورية ، كالتعاقد مع شركات أخرى متخصصة في هذا المجال ، لتضمن بذلك صحة المستندات عندما تتم مراجعتها و تداولها بين عدة جهات .

ثانيآ ، أن اعتماد شركة التأمين على ورشة صيانة واحدة يشجع على مثل حالات الإفساد هذه ، و لمعالجة هذا الخلل فعلى شركات التأمين أن طرح أمر الصيانة للمنافسة الحرة بين مختلف ورش الصيانة عن طريق العطاءات أو أي وسيلة أخرى مناسبة وسريعة ، أو التعاقد مع شركات الصيانة الكبرى ، لأن المنافسة تخلق الرقابة الداخلية بالتالي تتحقق نزاهة هذه التدابير .

ثالثآ ، على شركات التأمين خلق نظام مراجعة داخلية جيد ، لتضمن سلامة الإجراءات وصحة التقارير ، كالتعاقد مع مهندسين استشاريين من خارج الشركة تكون مهمتهم المراجعة النهائية للتقارير الفنية التي يصدرها مهندس الشركة ورفعها لمدير الفرع للتصديق عليها .  

رابعآ ، إيجاد نظام مستندى محكم يربط بين كل المستندات الخاصة بالتعويضات التأمينية عن حوادث السيارات خاصة تلك المتعلقة بالتلف الكامل للسيارات ، كتقرير الشرطة وتقرير مهندس الشركة بالإضافة إلى تقرير المهندس الاستشاري ، لان هذا الإجراء من شأنه أن يجعل انجاز التدبير يحتاج لعدة قرارات من جهات مختلفة ومستقلة عن بعضها ، مما يقلل من احتمال إفساده .

 خامسآ ، على شركات التأمين التنسيق مع الجهات ذات الصلة بهذا الأمر كشرطة المرور ، وإقناعهم بضرورة أن يكون تقرير الشرطة الفني صادر من جهة مختصة فنيا ، وذلك لأن التبرير الذي صدر من المشاركين في الوضعية الافسادية سابقة الذكر عند مواجهتهم بعدم مطابقة مستندات الشركة مع تقرير الشرطة ، أفادوا بأن تقرير الشرطة صادر من (سائق) بقسم الشرطة وليس من مهندس محترف ، والجدير بالذكر بأن الذى يقوم بحصر الأضرار الناتجة عن حوادث المرور بأقسام الشرطة عادة هو السائق المناوب .

سادسآ ، الاهتمام بنشر الوعي التأميني وفضح المفسدين ، لا سيما وأن ما قاد  الشركة إلى اكتشاف هذه الوضعيات الافسادية ، هو الثراء الفاحش الذي ظهر على موظف قسم التعويضات بالشركة ، وتطاوله في البنيان ، وقيامه بالزواج  بأكثر من زوجة مما أدى إلى التساؤل عن مصدر هذه الثروة التي هبطت عليه ، وأصبح هذا الأمر حديث المدينة ، الأمر دفع الشركة إلى إجراء تحقيقات ومراجعات سرية أدت إلى اكتشاف هذه الوضعيات الافسادية .