بعد إقرار نظام الحكم الاتحادي في السودان أصبحت مستويات الحكم بالبلاد ثلاثة ، هي المستوى الاتحادي والمستوى الولائي ثم المستوى المحلي.

وتبعا لذلك تقسمت  إيرادات الدولة المالية إلي ذات التقسيمات ، بوجود إيرادات إتحادية وأخرى ولائية  ثم محلية . ولكن ما ظل ثابتا في تحصيل هذه الإيرادات المالية بمختلف مستوياتها هو الأورنيك المالي الذي يتم بموجبه تحصيل هذه الإيرادات، إذ أبقت كل لوائح تنظيم الأداء المالي والمحاسبي المتعاقبة والقوانين المصاحبة للميزانيات المالية المجازة علي أورنيك الإيرادات المالي المسمى"أورنيك الإيرادات رقم (15)"، وظلت كل هذه اللوائح والقوانين تشدد على عدم جواز تحصيل أي أموال تخص المؤسسات الحكومية بدون إستخدام هذا الأورنيك.

أورنيك (15)..ماهو وكيفية إستخدامه

أورنيك الإيرادات المالي رقم (15) والذي يعرف مجازا في السودان ب "الإيصال المالي" كان سابقا يطبع بالمطبعة الحكومية ويتم صرفه من مصلحة المخازن والمهمات التابعة لوزارة المالية المركزية ، ويطبع على شكل دفاتر من صورتين ، أصل وصورة ، بحيث يحتوي كل دفترعلى عدد (100) أورنيك ، وتتم تعبئته بعد وضع أوراق "الكربون" بين الأصل والصورة. ويحتوي هذا الأورنيك على رقم متسلسل وحرف يميزه بشكل منفرد عن الأرانيك الأخرى، بالإضافة لإحتوائه على معلومات أساسية عن إسم المصلحة الحكومية التي قامت بتحصيل المبلغ ، والوزارة المركزية أو الولاية والمحلية التي تتبع لها، ثم إسم الشخص أو الجهة الإعتبارية التي قامت بالتوريد، وعنوان الرسم المالي أو الخدمة التي تم التوريد المالي من أجل الحصول عليها، كذلك يحتوي على مساحة لتدوين قيمة المبلغ المالي الذي تم توريده بالأرقام وكتابة، ثم إسم وتوقيع المتحصل وتأريخ التحصيل في أسفل الأورنيك .

ثم تطور شكل هذا الأورنيك تبعا لتطورات مستويات الحكم والتقنيات الحديثة التي إستجدت  في مجال الطباعة وتأمين المستندات ضد التزوير، فأصبح يطبع بمطابع السودان للعملة، حيث أضيفت إليه الكثير من الإجراءات التأمينية ضد التزوير، ولم تعد هناك حاجة لوضع أوراق الكربون بين الأصل والصورة، إذ أصبحت الكتابة تظهر تلقائيا على صورة الأورنيك ، مع إحتفاظه بكل التفاصيل الأخرى من حيث عدد الأرانيك  التي يحتويها كل دفتر، إضافة إلى المعلومات الأساسية التي يحتويها  الأورنيك . كما أصبح يصرف بشكل مركزي من مخازن وزارة المالية الإتحادية بعد تصفية مصلحة المخازن والمهمات. ولقد ظل هذا الأورنيك ، في كل مراحله ، يحتفظ بوضعيته كمستند مالي هام، حيث يعامل معاملة العملة الورقية، ويعتبر عهدة مالية، ويتم التشديد على تأمينه في كل خطوات إنتقاله منذ خروجه من المطبعة حتى وصوله إلى الموظف المسئول عن الإيرادات الحكومية.

 يتم صرف هذا الأورنيك  من مخازن وزارة المالية الإتحادية إلى المخازن الفرعية بالوزارات الإتحادية أو مخازن رئاسات الولايات بواسطة أورنيك العهدة رقم (12س)، الذي يحتوي على بيانات بعدد الدفاتر المستلمة بأرقامها المتسلسلة والجهة التي إستلمتها والموظف الذي إستلمها وتأريخ الإستلام، ثم تقوم الجهة المستلمة بإدخال هذه الأرانيك في عهدتها بأورنيك المخازن رقم (46) الذي يحتوي على ذات البيانات، ثم تتولى هذه المخازن الوزارية أو الولائية صرف الأرانيك للمصالح الحكومية التابعة لها أيضا بواسطة أورنيك العهدة رقم (12س) المشار إليه. ويقوم أمين مخازن المصلحة الحكومية بإدخال الأرانيك التي إستلمها في عهدة المصلحة الحكومية كذلك بأورنيك المخازن رقم (46) الذي سبق ذكره، ثم يتولى صرف الأرانيك إلى المحصلين التابعين للمصلحة الحكومية أيضا بواسطة أورنيك العهدة  رقم (12س).

بعد إستلام المحصل لعهدته من أرانيك الإيرادات رقم (15) يبدأ في مباشرة وظيفته في تحصيل الرسوم الحكومية المناط به تحصيلها، فبعد إستلامه للمبلغ المالي موضوع التوريد، يشرع في إصدار الأورنيك  بتعبئة البيانات التي تم ذكرها سابقا، ومن ثم يسلم النسخة الأصلية إلى الجهة التي قامت بالتوريد بعد إعتمادها بتوقيعه،  ويحتفظ بالصورة الأخرى الموجودة بالدفتر، ثم يقوم بعد فراغه من التحصيل بتفريغ تفاصيل المعلومات التي تحتويها الصورة الثانية من الأرانيك التي أصدرها علي أورنيك التوريد المالي رقم (67). وبعد ذلك يقوم بتوريد المبالغ التي قام بتحصيلها في حساب المصلحة الحكومية بالبنك أو في خزينة المصلحة الحكومية، ثم يستلم حافظة التوريد المعتمدة من البنك أو الخزينة ويقوم بلصقها وتثبيتها بالصمغ على خلفية آخر صفحة مدون عليها من أورنيك التوريد رقم (67)، وبعد ذلك يقدمه مصحوبا بدفتر أرانيك الإيرادات رقم (15) إلي المراجع الداخلي، الذي يقوم بمراجعة جميع المعلومات المقدمة إليه ومطابقة جملة المبالغ المتحصلة بالأرانيك مع حافظة التوريد، وفي حالة مطابقتها يقوم بالتوقيع باعتمادها، ومن ثم تقدم المستندات إلى المدير المالي والذي بدوره يقوم بمراجعتها والتوقيع باعتمادها في حالة مطابقتها.

 وفي حالة رغبة المحصل في إلغاء أي أورنيك  أصدره ، نتيجة لأي خطأ في تدوين محتوياته ، عليه التأشير على الأورنيك  بما يفيد ذلك الإلغاء، ثم يقوم بتثبيت أصل الأورنيك الملغى  مع الصورة، ثم يدون ذلك على أورنيك التوريد رقم (67).

وبعد تعبئة صفحات دفتر أورنيك التوريد رقم (15) بالكامل ومراجعته بواسطة المراجع الداخلي والمدير المالي تتم أرشفته بمخازن المصلحة الحكومية حيث يمكث بها  حتى نهاية العام المالي، ليتم تسليمه للمراجع العام الذي يقوم بالمراجعة النهائية لحسابات الدولة سنويا.

الوضعيات الإفسادية فى أستخدام النسخة الورقية لأورنيك 15 المالى

هذه الإجراءات الجيدة والمحكمة الخاصة بالتعامل مع أورنيك الإيرادات رقم (15) لم تكبح من جماح المفسدين ولم تمنعهم من تحويله من تدبير نزيه إلى تدبير فسيد أو فاسد ، وذلك لأن هذه الإجراءات لم تغير من طبيعة الأورنيك من كونه في الأصل (تدبير قابل للإفساد)، فقط طريقة تعامل المحصل معه هي التي تحدد كونه تدبير نزيه أو تدبير  فسيد أو فاسد.

 ولقد أظهرت التجربة العملية في تحصيل الأموال الحكومية بواسطة أورنيك الإيرادات رقم (15) عن ظهور العديد من الوضعيات الإفسادية أنتجتها  تدابير فسيدة بعينها و هنا ، سنعرض بعض الأمثلة على هذه الوضعيات من واقع القضايا التي تم ضبطها.

الوضعية الإفسادية الأولى هي أن يتم التلاعب فيها بمحتويات أورنيك الإيرادات رقم (15) بشكل أو بآخر، بغرض تحقيق مكاسب مالية غير مشروعة. ولعل القضية التي تم ضبطها في العام 1995  بمحطة سوبا لتحصيل رسوم عبور المركبات لطرق المرور السريع تعتبر خير مثال على الوضعية الإفسادية هذه، والتي تتلخص وقائعها في قيام المحصل المسئول عن تحصيل رسوم عبور المركبات بهذه المحطة، وبالاتفاق مع مجموعة العمل الميدانية والمدير المالي بوضع حاجز كرتوني بين أصل وصورة أورنيك الايرادات رقم (15) الصادر لعبور الشاحنات بين الخرطوم وبورتسودان، ليضمن بذلك بأن تكون الصورة الثانية من هذا الأورنيك خالية من البيانات، وبعد إكتمال عملية التحصيل وإصدار الأورنيك الصحيح بعد إستلام المبلغ، ومغادرة الشاحنة محطة التحصيل بعد إستلام السائق النسخة الصحيحة من الأورنيك، يقوم المتحصل بإحضار نسخة مستخدمة من أورنيك الإيرادات رقم (15) ويضعها على الصورة الخالية من البيانات ويدون عليها بيانات وهمية لعبور سيارة ملاكي بين الخرطوم ومدني، وبذلك يستحوذ هو وشركائه على فارق القيمة الكبير بين رسوم عبور السيارتين ويحوله لمنفعتهم الشخصية.

وحيث أنه لا يمكن إكتشاف الوضعية الإفسادية هذه، إلا إذا تم إحضار النسخة الأصلية من الأورنيك وتمت مطابقتها مع الصورة الأخرى بدفتر الأرانيك أو مع البيانات الواردة في أورنيك التوريد رقم (67) ، فلقد تم إكتشاف هذه الحالة بمحض الصدفة، حيث صادف أن فقد أحد سائقي الشاحنات بعض أرانيك الإيرادات رقم (15) الخاصة برسوم عبور شاحنته بين الخرطوم وبورتسودان لثلاثة رحلات قام بها، وطالبته الشركة التي يتبع لها بإحضار بدل فاقد لهذه الارانيك، أو أي مستند يفيد بتوريد هذه المبالغ لتكملة الإجراءات المالية بالشركة، ولكن عند مراجعته لنقطة تحصيل سوبا التي قام بسداد الرسوم بها، لم يجد ما يفيد بأنه دفع هذه المبالغ في التواريخ التي ذكرها، ومن ثم قام بمراجعة إدارة الحسابات بوزارة الطرق والجسور، وقدم أرانيك إيرادات لسيارة أخرى تتبع لنفس الشركة عبرت معه في نفس اليوم، لتظهر المفاجأة بعدم وجود ما يفيد بتسديد كلتا السيارتين لرسوم العبور، وكذلك عدم تطابق بيانات أرانيك الإيرادات رقم (15) التي تخص السيارة الأخرى مع البيانات الواردة في الصورة الأخرى من دفتر الأرانيك، ومع البيانات الواردة في أورنيك التوريد رقم (67)، والتي كانت عبارة عن بيانات وهمية لعبور سيارات ملاكي لرحلات لأماكن قريبة، الأمر الذي قاد لتحقيق كبير تم بموجبه تقديم المحصلين وشركاءهم للمحاسبة القانونية.

وتزدهر الوضعية الإفسادية هذه عادة في محطات التحصيل الخلوية والميدانية، وفي الحالات التي لا يتم فيها تقديم أورنيك الإيرادات رقم (15) لذات المصلحة التي أصدرته، أو تلك التي ينتهي فيها دور الأورنيك بعد إصداره بفترة قليلة. كما أن هذه الوضعية تتواجد عادة في محطات التحصيل ذات الكثافة التوريدية العالية والتي يصعب معها ملاحظة ضعف الإيرادات (كمحطات تحصيل رسوم المرور السريع).

االوضعية الافسادية الثانية التي أفرزتها التجربة العملية، هي أن يتم سرقة دفاتر أرانيك الإيرادات رقم (15) نفسها، أوبيعها بواسطة الموظف الموجودة تحت عهدته ثم التبليغ بسرقتها، لتستخدم هذه الأرانيك المسروقة لاحقا في تحصيل رسوم قانونية أو غير قانونية لمصلحة المفسدين الشخصية.

وكمثال لهذه الوضعية، فقد تم ضبط نقطة تحصيل وهمية لرسوم المحاصيل، في الطريق بين كوستي والأبيض ظلت تعمل لسنوات، لتكشف التحقيقات فيما بعد بأن بعض دفاتر أورنيك الإيرادات رقم (15) التي تم ضبطها بهذه النقطة الوهمية ، قد سبق التبليغ عن سرقتها من درج مكتب موظف تحصيل يتبع لمحلية الجبلين.

كذلك هناك مثال آخر لهذه الوضعية، تم رصده بمحلية الصباغ بولاية القضارف، حيث قام محصل سابق بالولاية، كان يعمل في تحصيل رسوم القطعان من الرعاة ،  بتكوين فريق تحصيل وهمي يتكون من عربة حكومية وسائق وإثنين من أفراد الشرطة بالإضافة للمحصل، وقام بتحصيل رسوم القطعان من مجموعة من الرعاة، وبعد أن قدم  التسهيلات المدفوعة الثمن التي يقدمها لهم عادة محصلي رسوم القطعان، ليستلم هو وشركاؤه بالإضافة إلى رشوة تسهيل الإجراءات ، كامل الرسوم التي قاموا بتحصيلها. وتم اكتشاف هذا الأمر عندما حضر فريق تحصيل رسوم القطعان الحقيقي وطالب هؤلاء الرعاة بتسديد الرسوم، لتظهر حقيقة وقوعهم ضحية لهذه الوضعية المحكمة عند إبرازهم لأرانيك الإيرادات رقم (15) التي بحوزتهم والتي اتضح بأنها لا تخص الجهات المسئولة، وأظهرت التحقيقات فيما بعد بأنه قد تم التبليغ بسرقتها من مكتب التعليم بمحلية خشم القربة. وتم القبض على المتهمين والتحقيق معهم ولكنهم أنكروا التهم الموجهة ضدهم جملة وتفصيلا.

كذلك أظهرت التجارب العملية وضعية إفسادية ثالثة متعلقة بأورنيك الإيرادات رقم (15) ، تتلخص في أن يقوم المتحصل بالاتفاق مع المدير المالي والمراجع الداخلي بتأخير توريد المبالغ المتحصلة في الحساب المصرفي للمصلحة الحكومية، وإستغلال هذه المبالغ في المضاربات والأعمال التجارية. وتتواجد هذه الوضعية غالبآ  في محطات التحصيل الخلوية والميدانية، والتي عادة ما يتم توريد المبالغ المتحصلة فيها على فترات متباعدة، وأحيانا لا  يتم التوريد إلا بعد نفاد دفتر الأرانيك الذي بحوزة المحصل.

ولعل ما حدث بشرطة المرور السريع بولاية الجزيرة يعتبر خير مثال على هذه الوضعية، والتي تتلخص وقائعها في الإتفاق بين الشرطي المسئول عن تحصيل رسوم المخالفات، والمشرفين عليه بالشئون المالية ورئيس القسم، على تأخير توريد المبالغ المتحصلة، لإستثمارها بواسطة رئيس القسم في بعض الأعمال التجارية، كالعمل في شراء وبيع السيارات والعقارات، ثم إقتسام العائد من هذه الأعمال الإستثمارية فيما بينهم. وتم اكتشاف هذه الوضعية عندما تعرض رئيس القسم لخسائر مالية كبيرة ومفاجئة في الأعمال التجارية التي كان يديرها بعائدات التحصيل، لتحاصره حينها الديون ولجان المراجعة والتحقيق، التي أوصت بفتح بلاغات جنائية في مواجهة كل المشاركين في هذه الواقعة، لينتهي بهم الأمر جميعا في السجن بعد تغريمهم الأموال التي إستولوا عليها.

عند التحقيق الإداري في مثل وضعيات  الإفساد هذه، والبحث والتحري عن أسباب تأخير توريد الأموال المتحصلة، عادة ما يكون التبرير من المستفيدين من هذا التأخير بأن طبيعة العمل الخلوي والميداني تتطلب ذلك إذا كان التحصيل يتم خلويا وميدانيا ، أما في الحالات الأخرى فيتعللون بكثافة العمل وعدم الرغبة في تعطيل مصالح المواطنين، بإنشغال المحصل في الأعمال الإدارية،  لذلك يقوم المحصل بالتوريد بعد نفاد دفاتر الأرانيك التي بحوزته.

وتتمثل الوضعية الإفسادية  الرابعة التي أفرزتها التجربة العملية لإستخدام أورنيك الإيرادات رقم (15)، في قيام بعض المؤسسات الحكومية بتحصيل أموال حكومية دون إستخدام أورنيك الإيرادات رقم (15) بالمخالفة لنصوص لائحة تنظيم الإجراءات المالية والمحاسبية، وذلك من وراء ظهر وزارة المالية الاتحادية ودون علمها، وأحيانا أخرى يتم التحصيل بواسطة الأورنيك المعني، ولكن يتم حجب الأموال المتحصلة وأي معلومات عنها عن وزارة المالية الاتحادية، وهو ما يعرف في السودان ب "التجنيب".

وتقوم بعض الجهات الحكومية بعملية "تجنيب" الأموال الحكومية المتحصلة حتى يتسنى لها الصرف خارج بنود الميزانية المجازة وتجنب  القيود التي تفرضها وزارة المالية الإتحادية على الصرف الحكومي. كما قد تلجأ هذه الجهات لهذا "التجنيب" حتى تتمكن من الحصول على أكبر قدر من الدعم المركزي، وذلك بإظهار ضعف إيراداتها المالية لوزارة المالية الاتحادية.

أن الوضعيات الافسادية هذه والتي تم رصدها من واقع التجربة العملية في تحويل أورنيك الإيرادات رقم (15) من تدبير نزيه إلى تدبير فسيد أو فاسد، يترتب عليها بلا شك الكثير من الآثار السلبية والخسائر المالية والإقتصادية والتنموية على المستويين العام والخاص. و مما يدلل على ذلك أن الأموال المتسربة بإفساد هذا التدبير كبيرة وتقارب ثلث إيرادات الدولة، وذلك حسب تصريحات وزير المالية الاتحادي بدر الدين محمود في المؤتمر الصحفي الذي عقده لتدشين العمل بالأورنيك الإلكتروني، حيث صرح بأن العمل بأورنيك الإيرادات رقم (15) بنسخته الورقية كان يفقد الدولة (30%) من الإيرادات الحكومية .

ففقدان الدولة ما يقارب الثلث من إيراداتها المالية لا بد من أن ينعكس سلبا على الخدمات التي تقدمها الدولة من تعليم وصحة وأمن وتنمية، لا سيما وأن الدولة تعتمد إعتمادا كبيرا في ميزانيتها على الأموال المتحصلة والجمارك، وهو الأمر الذي يلعب فيه أورنيك الإيرادات رقم (15) الدور الأساسي، إذ هو الأداة الرئيسية التي تضمن بها الدولة وصول الأموال المتحصلة إلى خزينتها.

كما أن تحصيل الأموال الحكومية بدون هذا الأورنيك أو بواسطته وحجبها عن علم وولاية وزارة المالية الاتحادية، من شأنه أن يؤدي إلى ذات النتيجة بتردي الخدمات التى تقدمها الدولة وضعف التنمية وإنهيار الإقتصاد الوطني، وذلك لإستخدام هذه الأموال "المجنبة" في الصرف البزخي على الحوافز والإحتفالات وتسيير الأنشطة الحزبية، وسفر المسئولين الحكوميين وأسرهم، وغيرها من أنشطة الصرف التي تحظرها اللوائح والنظم والقوانين، وذلك لأنه لم يتم رصد الأموال "المجنبة" في ميزانية الدولة، إنما يتم صرفها خارج بنودها ولا تخضع للمراجعة، كما لا تخضع لدورة المستندات المالية التي حددتها لائحة تنظيم الإجراءات المالية والمحاسبية وغيرها من اللوائح. وفى هذا الصدد ، فلقد  صرح وزير المالية الاتحادي بدر الدين محمود في ذات المؤتمر الصحفي المشار إليه أعلاه ، بأن وزارته اكتشفت بأن هناك (40) استمارة ورقية غير قانونية كانت تستخدم في التحصيل بدلا عن اورنيك الإيرادات رقم (15)

ويتجلى تأثير هذه الأموال "المجنبة" على حياة المواطنين وعلى الاقتصاد الوطني في التصريح الصادر من الاقتصادي عبد الرحيم حمدي وزير المالية الأسبق، حين ذكر، معتمدا على أرقام وزارة المالية ، بأن الأموال "المجنبة" في ميزانية العام 2012 بلغت ما بين ( 5 – 7) مليار جنيه ، بينما كان المبلغ المستهدف من رفع الدعم عن الوقود في ذات العام  حوالى (1.3) مليار جنيه.

وكما هو معلوم فان وزارة المالية الاتحادية قادها عجزها عن علمها وولايتها على هذه الأموال "المجنبة"، إلى رفع الدعم عن الوقود في ذات العام ، مما أدى إلى اندلاع ثورة شعبية احتجاجا على هذا القرار راح ضحيتها المئات من الشباب، وكان يمكن تجنب هذا الأمر برمته إذا استطاعت الوزارة المركزية وضع يدها على هذه الأموال.

وجدت هذه الأموال "المجنبة" اهتماما إعلاميا، وتصدرت الأخبار الاقتصادية وأصبحت لا تغيب عن تقرير المراجع العام سنويا، مما أضطرت معه الحكومة لتشكيل لجنة لمكافحة "التجنيب" برئاسة النائب الأول لرئيس الجمهورية وقتها علي عثمان محمد طه، ولكنه قام بإعدام لجنته في أول تصريح له بعد تكوينها عندما قام بالتغطية علي "المجنبين"، بتصريحه ( إن أموال "التجنيب" لا تذهب إلى جيوب المسئولين وإنما لتسيير العمل الحكومي خارج الميزانية). وهو الأمر الذي أغرى الجهات الحكومية التي كانت "تجنب" هذه الإيرادات إلى تحدي المراجع العام علنا ورفضها تقديم حساباتها للمراجعة، وزارة الداخلية على سبيل المثال.

كذلك أثرت هذه الوضعيات الإفسادية بشكل مباشر على أهم مورد من موارد ميزانية البلاد، ألا وهو الجمارك السودانية، وذلك بحسب تصريح وزير الدولة بوزارة المالية الاتحادية الذي صرح بأن أورنيك الإيرادات رقم (15) بنسخته الورقية كان يساعد على التهرب الجمركي، ويهدر 50% من إيرادات الجمارك، وذلك عبر الفاقد من شهادات الوزن الذي يبلغ (30%) من الإيرادات، والفاقد من الإعفاءات البالغ (20%) من الإيرادات.

أما على المستوى الخاص، فإن هذه الوضعيات تؤثربشكل مباشر على المواطن المتضرر، الذي يجد نفسه أحيانا قد قام بتوريد مبالغ لجهة غير مختصة، مما يضطره إلى إعادة توريدها مرة أخري مما يهدر وقته وماله، أو يكتشف بأنه قام بتوريد رسوم بطريقة صحيحة وقانونية ولكن تم تحويل مسارها أومحوها من مضابط وسجلات الدولة.

النسخة الإليكترونية ومقاومة الفساد

تعرض أورنيك  15 الورقى العريق خلال مسيرته الطويلة والصعبة إلى الكثيرمن الوضعيات الإفسادية ، وتبعا لذلك ظلت الدولة تهتم بأمر سد الثغرات التي تكشف عنها التجارب العملية، فأخذت تصدر اللوائح المالية والأوامرالمكتبية التي تعالج هذه الثغرات، فكانت تشدد على ضرورة التوريد اليومي، وتلزم الوحدات الحكومية باتخاذ إجراءات مشددة في تداول وتخزين وحفظ هذه الأرانيك. كما كانت تقوم بحملات تفتيش ومراجعة مفاجئة على المصالح الحكومية بواسطة المراجع الداخلي والمراجع العام، خاصة فىما يلى أورنيك الإيرادات رقم (15). كذلك كانت الأوامر المكتبية واللوائح تحذر من تحصيل أي مبالغ حكومية دون إستخدام هذا الأورنيك، وضرورة إحاطة وزارة المالية علما بأي مبالغ حكومية يتم تحصيلها.

 وجدت هذه الإجراءات مقاومة عنيفة من المحصلين الفاسدين ومن المصالح الحكومية نفسها، وكان يتم الإلتفاف حولها بحجة تسريع الإجراءات تارة، وبطبيعة ومكان التحصيل تارة أخرى، لذلك كان أثرها ضعيفا في ضمان نزاهة هذا التدبير.

هذا الأمر قاد وزارة المالية الاتحادية إلى التفكير في آلية جديدة لمقاومة هذه الوضعيات، فكان قرارها الأخير بإلغاء التعامل بالنسخة الورقية من أورنيك الإيرادات رقم (15) وإستبداله بنسخة أخرى الكترونية إعتبارا من 1/7/2015م. وهو قرار صائب وجدير بالتأمل والمناقشة والتحليل.

أورنيك 15 الألكترونى : التصميم و الأستخدام

تمت برمجة وتصميم هذه النسخة الإليكترونية من اورنيك الإيرادات رقم (15) بواسطة وزارة المالية الاتحادية. وتحمل هذه النسخة نفس البيانات والمعلومات التي تحملها النسخة الورقية من حيث إسم الجهة التي قامت بالتوريد المالي، وقيمة المبلغ المالي كتابة وبالأرقام، ونوع الخدمة الحكومية التي تم التوريد من أجل الحصول عليها، وتاريخ الإيداع المالي.

وتختلف هذه النسخة عن النسخة الورقية في أن رقم الأورنيك المالي وإسم المصلحة الحكومية التي قامت بالتحصيل تدرج تلقائيا بواسطة البرنامج، وبدلا من أن يضع المحصل توقيعه يقوم بكتابة إسمه، وأصلا لا يستطيع هذا المحصل الوصول إلى نافذة الأورنيك الإلكتروني في البرنامج، إلا بعد إدراج كلمة المرور الخاصة به شخصيا.

ولقد قامت إدارة الشبكة الإلكترونية بوزارة المالية الإتحادية بحصر كل نوافذ التحصيل و المحصلين والمراجعين الداخليين على مستوى السودان، وتم منح نافذة تحصيل إليكترونية لكل جهات التحصيل التي تم حصرها، كما منح كل من المحصلين والمراجعين الداخليين الذين تم حصرهم كلمة مرور password)) خاصة بكل واحد منهم، سلمت  لكل محصل ومراجع داخلي في ظرف مغلق أشبه بتلك الأظرف التي تسلم بها كلمة المرور الخاصة ببطاقة الصراف الآلي. وإدارة الشبكة بوزارة المالية الاتحادية هي الجهة الوحيدة التي تمنح كلمة المرور و تلغيها . وتعكف حاليا على دراسة الملاحظات التي قد تظهر مع بداية التجربة، لإيجاد المعالجات الطارئة الخاصة بحركة تغيير المحصلين والمراجعين وتنقلاتهم.

ولا يختلف تحصيل الإيرادات الحكومية عن طريق أورنيك الإيرادات رقم (15) الإليكتروني كثيرا من حيث تسلسل الإجراءات عن النسخة الورقية منه. فتبدأ الإجراءات بكتابة المحصل لكلمة المرور الخاصة به في المكان المخصص للدخول في برنامج التحصيل الإليكتروني، لتظهر أمامه على الشاشة النسخة الإليكترونية من الأورنيك المتاح له التعامل معها، ثم يشرع في إجراءات التحصيل بإستلام المبلغ المالي موضوع التوريد، ويقوم بتعبئة البيانات الخاصة بالأورنيك الإليكتروني في المساحات المخصصة لها، ثم يقوم بحفظ البيانات بعد مراجعتها، ومن ثم يطبع نسخة من الأورنيك الإليكتروني بالطابعة الإليكترونية المتصلة بالحاسوب الذي يستخدمه، ويعتمدها بالتوقيع عليها وختمها بختم المصلحة ويسلمها للجهة التي قامت بالتوريد. أما فى حالة أن قام المتحصل بأصدار  أورنيك إليكتروني خاطئ وقام بحفظ الإجراءات، فإن البرنامج يتيح له إلغاء هذا الأورنيك، بعد أن يجيب على سؤال في البرنامج يتضمن سبب الإلغاء، وعليه تضمين ذلك الإلغاء في المساحة المخصصة بأورنيك التوريد رقم (67) الإليكتروني للأرانيك الإليكترونية الملغاة .

وبعد فراغ المحصل من كل إجراءات التوريد بنهاية يوم العمل أو الفترة الزمنية المخصصة للتوريد المالي، يقوم المحصل بإرسال كل الأرانيك الإليكترونية التي قام بإصدارها إلى نافذة أورنيك التوريد الإليكتروني رقم (67)، وهي نافذة خاصة بالمراجع الداخلي فقط ولدية كلمة مرور للدخول إليها والتعامل معها. بعد ذلك يقوم المحصل بتوريد المبالغ التي قام بتحصيلها في حساب المصلحة الحكومية بالبنك، ويحضر حافظة التوريد المعتمدة من البنك ويقدمها للمراجع الداخلي، الذي يقوم بدوره بالدخول إلى البرنامج ويطلع على البيانات الواردة بأورنيك التوريد الإليكتروني رقم (67)، وعلى أرانيك الإيرادات رقم (15) الإليكترونية الصادرة، ويطابق البيانات وجملة المبالغ المتحصلة مع مبلغ التوريد الوارد في حافظة التوريد الصادرة من البنك، وفي حالة مطابقتها يقوم بطباعة نسخة من أورنيك (67) الإليكتروني ويعتمدها بتوقيعه ويرفق معها حافظة التوريد الصادرة من البنك ويقدمها إلى المدير المالي الذي يقوم أيضا بمراجعتها وإعتمادها وحفظها طرفه في ملف خاص بها.

وأهم ما يميز هذه النسخة الإليكترونية من أورنيك الإيرادات رقم (15) كما يرى الكثير من الخبراء الاقتصاديين، هو أنها توفر السرعة في الأداء والتنفيذ والكفاءة في التحصيل، وتقلل من تسرب المال العام كما كان يحدث في النسخة الورقية. كما أن هذه النسخة الالكترونية من الأورنيك تقود إلى نظام الخزانة الواحدة، مما يتيح الرقابة على الإيرادات الحكومية، ويقلل من الوضعيات الافسادية التي أفرزها إستخدام النسخة الورقية، ويتيح لوزارة المالية الإتحادية الإطلاع والعلم بأي مبالغ حكومية تم تحصيلها في البلاد مهما بلغ حجمها، مما يلغي "تجنيب" المؤسسات الحكومية للمال العام، ويؤدي إلى ولاية الوزارة الإتحادية عليه، الأمر الذي يحكم السيطرة على الأموال المرصودة لمختلف الإدارات الحكومية.

وبحسب تصريحات وزير الدولة بوزارة المالية الإتحادية فإن هذه النسخة الأليكترونية من أورنيك الإيرادات رقم (15) مؤمنة ضد التزوير حتى في حالة سرقة حاسوب المحصل وذلك من خلال الرقم المتسلسل (الرقم السري) للأورنيك، بالإضافة للختم المشفر في كل اورنيك. وأشار إلى أنه يمكن التأكد من صحة الأورنيك الإليكتروني من خلال الإتصال بالرقم (1501) حيث تأتي المعلومة فورا.

مقاومة المفسدين للنسخة الإلكترونية من أورنيك 15

واجهت النسخة الالكترونية من أورنيك الإيرادات رقم (15) مقاومة شرسة من المفسدين المستفيدين من إستمرار النسخة الورقية و لقد أشار الى ذلك  وزير المالية الإتحادي بدر الدين محمود في المؤتمر الصحفي الذي عقده للتنوير بالأورنيك الإليكتروني حين صرح "بأن المتجاوزين والمستفيدين فائدة شخصية من إستمرار النسخة الورقية من أورنيك الإيرادات رقم (15) يحاربون مشروع التحصيل الإليكتروني ويقاومون مقاومة شرسة لإفشاله".

وتتجلى صور هذه المقاومة الشرسة فيما حدث في الموعد المضروب لبداية استخدام النسخة الإليكترونية من هذا الأورنيك وحظر إستخدام النسخة الورقية، وهو يوم 1/7/2015م، حينما انهارت الشبكة وتوقف التحصيل الالكتروني، وقدمت المؤسسات الطبية الخدمات العلاجية بدون رسوم، وعجزت شرطة المرورعن تحصيل رسوم المخالفات المرورية ميدانيا، وتوقفت شركات تحصيل رسوم عبور طرق المرور السريع تماما وسمحت للمركبات بالعبور دون تسديد الرسوم المقررة.

ويرى مراقبون بأن هناك جهات سعت إلى الإسراع بالعمل بالنسخة الإليكترونية قبل اكتمال التجهيزات الفنية واللوجستية وتدريب الكادر البشري، حتى تفشل التجربة وتكون النتيجة هي العودة إلى النسخة الورقية. وذلك لأن أهم النتائج المترتبة على تطبيق هذه النسخة الإليكترونية هي تقليل عدد الموظفين وتسريح العمالة، وفقدان كبار الموظفين للوجاهة الوظيفية. هذا بالإضافة لمحاربته للوضعيات الإفسادية التي أفرزها التحصيل عن طريق النسخة الورقية.

سلبيات النسخة الإلكترونية 

وبالرغم من كل المزايا التي يحملها تطبيق النسخة الإليكترونية من أورنيك الإيرادات رقم (15)، والتي من أهمها كونه محاولة جادة لمقاومة أشكال الوضعيات الإفسادية التي أظهرها التطبيق العملي للتحصيل الحكومي عن طريق النسخة الورقية، إلا أنه كذلك يحمل بعض السلبيات. فهذا التطبيق لهذه النسخة الإليكترونية لم يقدم حلولا واضحة بشأن الوضعية الإفسادية المتعلقة بتأخير توريد المبالغ المتحصلة وإستغلالها في الأغراض الخاصة كما كان يحدث في النسخة الورقية، كذلك لم يتم تقديم دفوعات واضحة عن مدي تحصين هذا البرنامج من الاختراق، ومن المعلوم إن البرامج الإليكترونية معرضة للاختراق من قبل (هاكرز) متخصصين في هذا المجال. كما أن التجربة وحسب إفادات الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير ينقصها تدريب وتأهيل الكادر البشري المناط به تنفيذ المشروع. ومن الواضح إن المحصلين والمراجعين الداخليين قد نالوا دورات تدريبية إلا أنها كانت قصيرة ومتعجلة وغير كافية، إذ عجز من حاورناهم وأمدونا ببعض المعلومات عن الإجابة على بعض الأسئلة الجوهرية والعميقة، مثل ما هو مدى تحصين النافذة الإليكترونية للمتحصل من الإختراق، وهل يمكنه معرفة ما إذا كانت نافذته الإليكترونية قد أستخدمت بواسطة غيره أم لا؟

وكذلك من أهم السلبيات التي صاحبت تطبيق النسخة ضعف شبكة الإتصالات ، والتي لم تواكب عملية تطور الإجراءات الإليكترونية بالسودان، إذ تجد المحصل ، نتيجة لضعف الشبكة ، يحتاج لوقت أطول من المعتاد حتى يتمكن من حفظ بيانات الأورنيك الذي فرغ من تعبأته ، و لوقت آخر ليتمكن من العودة للنافذة الرئيسية ليشرع في إصدار أورنيك جديد. وأحيانا تنهار الشبكة بشكل كامل ليتوقف التحصيل تماما، ويتكدس الراغبين في التوريد أمام المحصل الحائر.

إن تجربة تحصيل الإيرادات الحكومية عن طريق أورنيك الإيرادات الإليكتروني رقم (15)، وإن كانت تعتبر من أقوى أشكال مقاومة الوضعيات الإفسادية التي أفرزها إستخدام النسخة الورقية من هذا الأورنيك، إلا أنها ما زالت في بداياتها، ومن الصعب الحكم عليها في الوقت الراهن، إلا أن  الممارسة العملية من شأنها أن تكشف مواطن الضعف والقوة في هذه التجربة. فأصل أي تدبير كما ذكرنا في البداية ليس (النزاهة )، وإنما (القابلية للإفساد) ولا يبقى إلا أن ننتظر لنرى إن كنا سنحصل على تدبير نزيه أم تدبير فسيد او فاسد، لتبدأ دورة أخرى مختلفة من المقاومة.